إخوان الصفاء

49

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل فينبغي إذا ظفرت بواحد منهم أن تختاره على جميع أصدقائك وأقربائك وعشيرتك وجيرانك الذين نشأت معهم فإنه خير لك من ولدك الذي من ظهرك ، وأخيك من صلب أبيك ، ومن زوجتك التي جعلت كلّ كسبك لها ، وجميع سعيك من أجلها ، فاعرف حقّه كما تعرف حقوقهم ، بل ينبغي أن تؤثره عليهم كلهم ، لأن هؤلاء يحبونك من أجل منفعة تصل منك إليهم ، ويريدونك من أجل مضرّة تدفعها عنهم ، فإذا استغنوا عنك زهدوا فيك ورغبوا في غيرك وخذلوك أحوج ما تكون إليهم . فأما هذا الأخ فليس يريدك من أجل شيء خارج عن ذلك ، بل من أجل أنه يرى ويعتقد أنك إياه وهو إياك نفس واحدة في جسدين متقابلين ، يسرّه ما يسرّك ويغمّه ما يغمّك ، يريد لك منه مثل الذي تريد له منك . واعلم أن قلوب الأخيار صافية ، لأن نفوسهم طاهرة ، ولا تخفى عليهم خفيّات الأمور ، لأنها تتراءى فيها كما تتراءى في أعين البصراء ظواهر كلّيات الأمور . فلا تضمرنّ لإخوانك الأصفياء خلاف ما تظهر لهم ، فإن ذلك لا يخفى عليهم ولا ينكتم عليهم منك . فصل واعلم بأن خير شيء يرزقه الإنسان السعادة ، وان السعادات نوعان : داخل وخارج ، فالذي هو داخل نوعان : أحدهما في الجسد والآخر في النفس . فالذي في الجسد كالصحة والجمال ، والذي في النفس كالذكاء وحسن الخلق . والذي من خارج نوعان : أحدهما ملك اليد كالمال ومتاع الدنيا ، والآخر الأقران من أبناء الجنس كالزوجة والصديق والولد والأخ والأستاذ والمعلم والصاحب والسلطان ، فمن أسعد السعادات أن يتّفق لك يا أخي معلم